سليمان الدخيل

18

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

وقريبا منه منازل لخاصته وأصحابه وحاشيته سميت بالمأمونية « 1 » . كذلك توسع الناس في البناء في القسم الشرقي ، فبنوا فيه القصور المنيفة والمنازل المزخرفة ، اتخذوا الأسواق والمساجد والحمامات ، وأقطع المهدى رجاله مواضع بها ، وبنواحيها ، ونشأت في الرصافة عدة محلات أهمها أبي حنيفة وبها مقبرة الإمام أبو حنيفة ومحلة باب الطاق ، والطاق قسما من أقسام قصر لإحدى بنات المنصور ، ثم صار في زمن الرشيد مجمعا للشعراء ، وإلى جوار هذا الطاق سوق الصاغة ودار صاحب شرطة المهدى ، كذلك نشأت محلة دار الروم نسبة إلى أسرى الروم الذي أنزلوا فيها في عهد الخليفة المهدى ، فشيدوا هناك ضيعة ودورا لهم . وازدهرت محلة الشماسية في عهد الرشيد لأن البرامكة اتخذوا قصورهم بها ، فشيد يحيى بن خالد قصره المعروف بقصر الطين بها ، كذلك اتخذوا ولديه جعفر والفضل قصرين هناك . وامتدت قطائع البرامكة من الشماسية حتى البردان « 2 » . كذلك برزت محلات أخرى في الرصافة نخص بالذكر منها سوق الثلاثاء ، وقد نشأت إلى جوار هذه المحلة محلتان على ضفاف دجله تسمى إحداهما محلة دار دينار الكبرى والأخرى دار دينار الصغرى نسبة إلى دينار بن عبد اللّه - من موالى الرشيد - وكان من أجل القواد في زمن المأمون . وصفوة القول أن بغداد صارت من أمهات المدن الإسلامية ، بل والعالمية في العصر العباسي الأول ، ومركز العلم والثقافة ، وأهم مراكز النشاط التجاري في العالم ، وكثرت ثروتها وازدهرت في عهد الخليفة الرشيد ، وتجلى ذلك في بلوغ العمران بها غايته وازدحام الناس بأنحائها ، وتموجهم كالبحر في أرجائها ، حتى قيل أن تعدادهم زاد على مليون ونصف نسمة « 3 » . وهذا العدد الهائل يدل على أنه ليس في المدن أعين ولا أيسر من الموضع الذي يتكوفون فيه تكوف الرمال « 4 » .

--> ( 1 ) ابن الساعي : نساء الخلفاء ص 71 . ( 2 ) اين الساعي : نساء الخلفاء ص 71 . ( 3 ) المدور : حضارة الإسلام في دار السلام ص 93 . ( 4 ) المدور : حضارة الإسلام في دار السلام ص 93 .